مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )

426

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء

بعد فساد البدن فإذا أراد الله حشر الخلائق خلق لكل واحد من هذه الأرواح بدنا ورده إليه ، وهذا مذهب جمهور النصارى والتناسخية وكثير من علماء الإسلام مثل أبي القاسم الكعبي من أصحابنا والغزالي من أهل السنة ، وأبي الحسين الحكمي وأبي القاسم الراغب ، وأبي زيد الدبوسي ، ومعمر من قدماء المتكلمين وابن الهيثم من الكرامية وكثير من الصوفية ، وجمهور من الرافضة ، إلا أن الفرق بين قول أهل الإسلام في ذلك وبين قول التناسخية من وجهين ، أحدهما أن المسلمين يقولون أن الله إنما يرد الأرواح إلى الأبدان لا في هذا العالم ) . . ( « 1 » بل في الدار الآخرة ، والتناسخية يقولون : أن الله تعالى يردها إلى الأبدان في هذه الدار وينكرون الدار الآخرة / والجنة والنار ، وثانيهما : أن المسلمين يثبتون حدوث هذه الأرواح ، والتناسخية تثبت قدمها . وإنما نبهنا على هذا الفرق لأنه يغلب على طباع المقلدة من العوام لما كان هذا المذهب مما ذهبت إليه التناسخية والنصارى وجب أن يكون باطلا وكفرا ، ولا يعلمون أنه ليس كل ما ذهب إليه كافر فهو كفر ، والنصراني إنما كفر بقوله التثليث لا بقوله بهذا المذهب . والتناسخي إنما كفر لانكاره القيامة والجنة والنار لا لقوله أن الحشر عبارة عن رد النفوس إلى الأبدان . فإن القول باثبات هذه النفوس لا يلزم منه دفع أصل من أصول الدين ولا إبطال قاعدة من قواعد الشريعة ، بل هو مما يؤيد الدين وينصره . ألا ترى أنه لو صح القول بها لكان ذلك طريقا آخر في تقرير إمكان ما جاءت به الأنبياء . ومعلوم أن ما يلزمه تقرير قول الأنبياء فإنه يكون نصرة الدين لا قدحة فيه . أما القول الثاني وهو إثبات الجسم اللطيف المناسب في البدن حسب انسياب النار في الفحم والزبد في اللبن والدهن في الشحم وماء الورد في الورد وأشباه ذلك فإنه جسم لطيف متآلف فهو الروح الذي يقبضه الملك ولا يفرقه ولا يغيره ، ويبقى هو وإن فنى الخلق وسائر الأجسام ، وأن رده إلى البدن كرد النار إلى الفحم ، وهو قول شيخ من قدماء الشيوخ وهو النظام ، وهو قول ( أحد ) « 2 » تلاميذه وهو الجاحظ وكثير من المتكلمين .

--> ( 1 ) توجد ( لا ) مشطوبة وهو الصواب . ( 2 ) أضيفت ليستقيم السياق .